طويق
02-19-2009, 12:48 AM
موقع الزبير نت يشدد على وضع المراجع من( كتب ،مجلات، دوريات) التي تنقل منها المواضيع وذلك للأمانة العلمية ولأدبية أما مواقع الأنترنت فيكتفى بكلمة منقول
هذا الموضوع منقول عن جريدة الرياض للكاتب قاسم الرويس والمنشور في يوم الخميس 22 جمادى الآخر 1429هـ -26 يونيو2008م - العدد 14612
المدينة الفاضلة: تصور فلسفي نادى به اليوناني (أفلاطون) قبل الميلاد بقرون، وكان قد أقصى الشعراء من هذه المدينة الفاضلة التي يقوم الحكم فيها على العدل والمساواة، فهو يرى أن الشعر ليس له فائدة للدولة الصالحة وذلك لأن الشعراء يقولون ما لا يفعلون ويصورون ما يجهلون ويتحدثون بما لا يعرفون وبالتالي لا يمكن للشعراء أن يكونوا دعاة مبادئ أو هداة أخلاق ولذلك طردهم من هذه المدينة الفاضلة ورغم أن هذا الاتجاه ينم عن كراهية للشعر والشعراء لكنه يبرهن على دور الشعر الفاعل في المجتمعات.
ولكن هل يمكن القول إن كل مدينة تطرد الشعراء تمثل دور المدينة الفاضلة عند افلاطون؟!
إن إجابة هذا السؤال تقحمنا في موازنة لا تنبغي بين الحقيقة والخيال، في حين أن قراءة التاريخ تبرهن أن هناك عدداً من المدن العربية قامت بطرد الشعراء وسنعرض هنا لمدينة تقع في مفترق طرق القوافل وترحب بالغرباء من كل البلاد وتستقبل الزائرين بحميمية واهتمام، لكنها رغم كل ذلك تقوم بطرد الشعراء وأعني شعراء النبط خصوصاً، تلك المدينة هي مدينة الزبير المعروفة في جنوب العراق، ولدينا ثلاثة من الشعراء التي تؤكد المصادر التاريخية على خروجهم من هذه المدينة لسبب أو لآخر هؤلاء الشعراء هم:
أولاً الشاعر المعروف محمد بن حمد بن لعبون (ت 1247ه)
ذكر العسافي في مخطوطه (تاريخ الزبير) أنه في سنة 1246ه غضب علي بن يوسف الزهير أمير الزبير - الذي وصفه بالمستبد - على محمد بن لعبون الشاعر المشهور فأجلاه عن بلد الزبير ونفاه إلى الكويت وبسبب ذلك هجا علي الزهير وأهل الزبير عموماً، في حين يفصل يوسف البسام في كتابه (الزبير قبل خمسين عاماً) حيث يذكر أن علي الزهير أمر ابن لعبون بمغادرة الزبير وأعطاه مهلة ثلاثة أيام، فخرج ابن لعبون من عنده غاضباً وقصد منزل الشاعر ابن ربيعة وأخبره بالأمر وقال له: إنه لن ينتظر بل سيغار الزبير حالاً وفي هذه الساعة وطلب منه قربة ماء فارغة واتجه إلى آبار الدريهمية ليملأها فسار معه ابن ربيعة فلما وصلاها سمع ابن لعبون صوتاً فقال: ذا حس طار؟ قال ابن ربيعة: أو ضميرك خفوقه؟ فجعل ابن لعبون ذلك مطلعاً لقصيدته:
ذا حس طار أو ضميرك خفوقه؟!
يدق به من نازح الفكر دقاق
الحي هو حيك وطيبه وفوقه
والدار هي دارك وهذيك الاسواق
يا قلب وان كانت علومك صدوقه
بينك وبين الدار عهد وميثاق
وهي القصيدة الأولى التي هجا فيها الزهير والزبير ليردفها بقصيدة أخرى جاراها الشاعر الكبير عبدالله بن ربيعة الذي عانى من هذه المدينة كصاحبه منها:
يالله عسى برق سرى يا بن عايد
موضي بروقه مخلفات المواعيد
وإلى صدق جعله يمين الفرايد
هامي ربابه نازح في تخاديد
دون الصريم وفوق عال النفايد
عن دارنا يوري بوجهه تصاديد
ثانياً الشاعر الكبير عبدلله بن ربيعة (ت 1273ه):
وتذكر المصادر أنه غادر هذه المدينة أكثر من مرة لعدة أسباب أبرزها الصراعات السياسية على إمارة الزبير فإبراهيم الخالدي في كتابه عن هذا الشاعر يشير إلى أنه قال القصيدة التي ضمنها هذا البيت:
مني لدار رحت عنها بلا أسباب
عزي لمن بالحال قلت حياله
متواجداً على فراق بلده عام 1241ه وقصيدة أخرى قالها في عام 1244ه منها:
قالوا تجمل قلت يا هل الجدالا
العز ينعش مثل ما الضيم قتال
ولكن لا نتوقع أن يكون في الزبير عند مغادرة ابن لعبون سنة 1246ه كما ذكر يوسف البسام حيث إنه جارى ابن لعبون في هجائه بقصيدة تلمح إلى أنه خارج الزبير بغير رغبته منها هذان البيتان:
دار بها للخرب منسار صايد
ومناكب تزهاه واللذعي صيد
عنهم ألوذ بدار عطب المصايد
حر هوى طلعه ليوم المزاريد
ويؤكد العسافي في تاريخه أن الشاعر عبدالله الربيعة كان في عام 1252ه مقيماً في بغداد فأحس بما تدبره الحكومة من الحيلة لقتل أمير الزبير محمد إبراهيم الثاقب فعز عليه ذلك بحكم أواصر القرابة بينهما فكتب له ينصحه ويحذره من مواجهة متسلم البصرة وضمن كتابه قصيدته الطائية المشهورة فلم يبال بذلك لأن القدر نفذ بوقوع ذلك، هذه القصيدة الطائية فيها إشارات إلى أن مغادرة ابن ربيعة للزبير لم تكن بسبب الصراع السياسي بين الطامحين في الزعامة ولكنه غادرها مرغماً لأسباب أخرى ومنها هذه الأبيات:
ما يس من كثر العيا والغلاطي
ما تنتبه يا جاهل جعلك خباط
مدري سكر وألا لك النوم غاطي
أخاف من فتق فلا عاد ينخاط
أنطر بعين القلب يا أبا القواطي
والنفس وطنها عن الزوم وشطاط
وفيها:
جماعتك ياطون ما كنت واطي
تعمل بهم ما عمل حجام ساباط
من باع حزبه يا محمد غلاطي
يضحي كما سيل حدر سهله أوراط
تخطي ولا تدري بما كنت خاطي
طر وارتفع صيور ما تنتكس حاط
ثالثاً شاعر الزبير عبدالله بن علوش (ت 1325ه)
وهو من شعراء الزبير المعروفين وله قصائدة كثيرة أغلبها غزلي ومن القصائد التي تنسب لشاعر اسمه عبدالله بن علوش الحسيني ولا أدري إن كان هو نفسه هذا الشاعر أم أنه شاعر آخر؟! منها هذه الأبيات:
يا ونتي ونة طريح بالأكوان
حالوا عليه أعدا ولا له عواني
يابن بدر شفني من الهم مليان
الحق رفيقك يا ذرا كل عاني
البارحة كني على حر ضيان
وأصبحت دوك مغيرات ألواني
في علة حالي بدا فيه نقصان
والهقوة إني يا فتي الجود فاني
ويذكر الشيخ عبدالله الغملاس في تاريخه أن شيخ الزبير خالد باشا بن عبداللطيف العون طرد عبدالله بن علوش الأحمى الشاعر النبطي من الزبير وقص شعر رأسه في سنة 1322ه وسببه أن جماعة من السفهاء وشوا به عند خالد باشا أنه يلبس ثياب النساء ويدخل يلعب مع النساء ويقول القصائد في النساء الشريفات ومن ذلك قوله:
يا غزال البراحة
جاك ظبي الشمال
غالبك بالملاحة
والجدايل أطوال
جانا يوضي صباحه
مثل وصف الهلال
والحقيقة أن هذه القصيدة يصعب تصديقها في ظل وصف هذا الشاعر بأنه (ضرير) فكيف يدخل على النساء ويلعب معهن؟! ومن يقوده إليهن؟!
ولكن التشبيب في النساء عموماً أمر لا يخفى في الشعر العربي قديماً وحديثاً وأخطره التشبيب بنساء الطبقة العليا أو التعريض بهن و(وضاح اليمن) أحد ضحاياه فهل يكون (ابن علوش) ضحية لشعره العزلي؟! على أية حال يشير الغملاس إلى أنه بعد خروجه من الزبير اتجه إلى الكويت وظل فيها مدة ثلاث سنوات ثم عاد ليموت في الزبير في ربيع أول سنة 1324ه بعد قدومه خمسة عشر يوماً في بيت مرزوق الشاوي.
وأخيراً بعد عرضنا لهذه النماذج الثلاثة من الشعراء هل يمكن أن نقول إن مدينة الزبير العراقية قامت بتمثيل دور المدينة الفاضلة عند أفلاطون؟! وأقول نعم إذا كان ليس في الزبير إلا هؤلاء الثلاثة، ولكن تاريخ الزبير يشهد بوجود شعراء عمالقة آخرين عاشوا في الزبير وماتوا فيها ولم يخرجوا منها وإن كانوا ليسوا بحجم ابن لعبون وابن ربيعة.
هذا الموضوع منقول عن جريدة الرياض للكاتب قاسم الرويس والمنشور في يوم الخميس 22 جمادى الآخر 1429هـ -26 يونيو2008م - العدد 14612
المدينة الفاضلة: تصور فلسفي نادى به اليوناني (أفلاطون) قبل الميلاد بقرون، وكان قد أقصى الشعراء من هذه المدينة الفاضلة التي يقوم الحكم فيها على العدل والمساواة، فهو يرى أن الشعر ليس له فائدة للدولة الصالحة وذلك لأن الشعراء يقولون ما لا يفعلون ويصورون ما يجهلون ويتحدثون بما لا يعرفون وبالتالي لا يمكن للشعراء أن يكونوا دعاة مبادئ أو هداة أخلاق ولذلك طردهم من هذه المدينة الفاضلة ورغم أن هذا الاتجاه ينم عن كراهية للشعر والشعراء لكنه يبرهن على دور الشعر الفاعل في المجتمعات.
ولكن هل يمكن القول إن كل مدينة تطرد الشعراء تمثل دور المدينة الفاضلة عند افلاطون؟!
إن إجابة هذا السؤال تقحمنا في موازنة لا تنبغي بين الحقيقة والخيال، في حين أن قراءة التاريخ تبرهن أن هناك عدداً من المدن العربية قامت بطرد الشعراء وسنعرض هنا لمدينة تقع في مفترق طرق القوافل وترحب بالغرباء من كل البلاد وتستقبل الزائرين بحميمية واهتمام، لكنها رغم كل ذلك تقوم بطرد الشعراء وأعني شعراء النبط خصوصاً، تلك المدينة هي مدينة الزبير المعروفة في جنوب العراق، ولدينا ثلاثة من الشعراء التي تؤكد المصادر التاريخية على خروجهم من هذه المدينة لسبب أو لآخر هؤلاء الشعراء هم:
أولاً الشاعر المعروف محمد بن حمد بن لعبون (ت 1247ه)
ذكر العسافي في مخطوطه (تاريخ الزبير) أنه في سنة 1246ه غضب علي بن يوسف الزهير أمير الزبير - الذي وصفه بالمستبد - على محمد بن لعبون الشاعر المشهور فأجلاه عن بلد الزبير ونفاه إلى الكويت وبسبب ذلك هجا علي الزهير وأهل الزبير عموماً، في حين يفصل يوسف البسام في كتابه (الزبير قبل خمسين عاماً) حيث يذكر أن علي الزهير أمر ابن لعبون بمغادرة الزبير وأعطاه مهلة ثلاثة أيام، فخرج ابن لعبون من عنده غاضباً وقصد منزل الشاعر ابن ربيعة وأخبره بالأمر وقال له: إنه لن ينتظر بل سيغار الزبير حالاً وفي هذه الساعة وطلب منه قربة ماء فارغة واتجه إلى آبار الدريهمية ليملأها فسار معه ابن ربيعة فلما وصلاها سمع ابن لعبون صوتاً فقال: ذا حس طار؟ قال ابن ربيعة: أو ضميرك خفوقه؟ فجعل ابن لعبون ذلك مطلعاً لقصيدته:
ذا حس طار أو ضميرك خفوقه؟!
يدق به من نازح الفكر دقاق
الحي هو حيك وطيبه وفوقه
والدار هي دارك وهذيك الاسواق
يا قلب وان كانت علومك صدوقه
بينك وبين الدار عهد وميثاق
وهي القصيدة الأولى التي هجا فيها الزهير والزبير ليردفها بقصيدة أخرى جاراها الشاعر الكبير عبدالله بن ربيعة الذي عانى من هذه المدينة كصاحبه منها:
يالله عسى برق سرى يا بن عايد
موضي بروقه مخلفات المواعيد
وإلى صدق جعله يمين الفرايد
هامي ربابه نازح في تخاديد
دون الصريم وفوق عال النفايد
عن دارنا يوري بوجهه تصاديد
ثانياً الشاعر الكبير عبدلله بن ربيعة (ت 1273ه):
وتذكر المصادر أنه غادر هذه المدينة أكثر من مرة لعدة أسباب أبرزها الصراعات السياسية على إمارة الزبير فإبراهيم الخالدي في كتابه عن هذا الشاعر يشير إلى أنه قال القصيدة التي ضمنها هذا البيت:
مني لدار رحت عنها بلا أسباب
عزي لمن بالحال قلت حياله
متواجداً على فراق بلده عام 1241ه وقصيدة أخرى قالها في عام 1244ه منها:
قالوا تجمل قلت يا هل الجدالا
العز ينعش مثل ما الضيم قتال
ولكن لا نتوقع أن يكون في الزبير عند مغادرة ابن لعبون سنة 1246ه كما ذكر يوسف البسام حيث إنه جارى ابن لعبون في هجائه بقصيدة تلمح إلى أنه خارج الزبير بغير رغبته منها هذان البيتان:
دار بها للخرب منسار صايد
ومناكب تزهاه واللذعي صيد
عنهم ألوذ بدار عطب المصايد
حر هوى طلعه ليوم المزاريد
ويؤكد العسافي في تاريخه أن الشاعر عبدالله الربيعة كان في عام 1252ه مقيماً في بغداد فأحس بما تدبره الحكومة من الحيلة لقتل أمير الزبير محمد إبراهيم الثاقب فعز عليه ذلك بحكم أواصر القرابة بينهما فكتب له ينصحه ويحذره من مواجهة متسلم البصرة وضمن كتابه قصيدته الطائية المشهورة فلم يبال بذلك لأن القدر نفذ بوقوع ذلك، هذه القصيدة الطائية فيها إشارات إلى أن مغادرة ابن ربيعة للزبير لم تكن بسبب الصراع السياسي بين الطامحين في الزعامة ولكنه غادرها مرغماً لأسباب أخرى ومنها هذه الأبيات:
ما يس من كثر العيا والغلاطي
ما تنتبه يا جاهل جعلك خباط
مدري سكر وألا لك النوم غاطي
أخاف من فتق فلا عاد ينخاط
أنطر بعين القلب يا أبا القواطي
والنفس وطنها عن الزوم وشطاط
وفيها:
جماعتك ياطون ما كنت واطي
تعمل بهم ما عمل حجام ساباط
من باع حزبه يا محمد غلاطي
يضحي كما سيل حدر سهله أوراط
تخطي ولا تدري بما كنت خاطي
طر وارتفع صيور ما تنتكس حاط
ثالثاً شاعر الزبير عبدالله بن علوش (ت 1325ه)
وهو من شعراء الزبير المعروفين وله قصائدة كثيرة أغلبها غزلي ومن القصائد التي تنسب لشاعر اسمه عبدالله بن علوش الحسيني ولا أدري إن كان هو نفسه هذا الشاعر أم أنه شاعر آخر؟! منها هذه الأبيات:
يا ونتي ونة طريح بالأكوان
حالوا عليه أعدا ولا له عواني
يابن بدر شفني من الهم مليان
الحق رفيقك يا ذرا كل عاني
البارحة كني على حر ضيان
وأصبحت دوك مغيرات ألواني
في علة حالي بدا فيه نقصان
والهقوة إني يا فتي الجود فاني
ويذكر الشيخ عبدالله الغملاس في تاريخه أن شيخ الزبير خالد باشا بن عبداللطيف العون طرد عبدالله بن علوش الأحمى الشاعر النبطي من الزبير وقص شعر رأسه في سنة 1322ه وسببه أن جماعة من السفهاء وشوا به عند خالد باشا أنه يلبس ثياب النساء ويدخل يلعب مع النساء ويقول القصائد في النساء الشريفات ومن ذلك قوله:
يا غزال البراحة
جاك ظبي الشمال
غالبك بالملاحة
والجدايل أطوال
جانا يوضي صباحه
مثل وصف الهلال
والحقيقة أن هذه القصيدة يصعب تصديقها في ظل وصف هذا الشاعر بأنه (ضرير) فكيف يدخل على النساء ويلعب معهن؟! ومن يقوده إليهن؟!
ولكن التشبيب في النساء عموماً أمر لا يخفى في الشعر العربي قديماً وحديثاً وأخطره التشبيب بنساء الطبقة العليا أو التعريض بهن و(وضاح اليمن) أحد ضحاياه فهل يكون (ابن علوش) ضحية لشعره العزلي؟! على أية حال يشير الغملاس إلى أنه بعد خروجه من الزبير اتجه إلى الكويت وظل فيها مدة ثلاث سنوات ثم عاد ليموت في الزبير في ربيع أول سنة 1324ه بعد قدومه خمسة عشر يوماً في بيت مرزوق الشاوي.
وأخيراً بعد عرضنا لهذه النماذج الثلاثة من الشعراء هل يمكن أن نقول إن مدينة الزبير العراقية قامت بتمثيل دور المدينة الفاضلة عند أفلاطون؟! وأقول نعم إذا كان ليس في الزبير إلا هؤلاء الثلاثة، ولكن تاريخ الزبير يشهد بوجود شعراء عمالقة آخرين عاشوا في الزبير وماتوا فيها ولم يخرجوا منها وإن كانوا ليسوا بحجم ابن لعبون وابن ربيعة.