admin
07-01-2009, 04:34 AM
http://tbn0.google.com/images?q=tbn:d5hYsjLRZEZ4vM:http://www.alfayhaa.tv/files.php%3Ffile%3D/salahnyazy_400.jpg
محمود داود سليمان البريكان
ــ ولد في الزبير عام 1931
ــ تخرج في كلية الحقوق
ــ عمل مدرسا في العراق .. والكويت
ــله : ديوان محمود البريكان
ــ اغتاله لصوص عام 2002 وهو اعزل في بيته
صمت الشاعر محمود البريكان
بقلم: جهاد فاضل
.........................
من المبادئ العامة أنه لا يُنسب لساكتٍ قول. فالسكوت بحدّ ذاته ليس قرينة على العبقرية، كما أنه ليس قرينة على خمول في الذات أو الطبيعة. فقد يكون حالة سلبية، كما قد يكون حالة ايجابية إذا ما عقبه تفجر إبداعي ما. ولذلك قالت العرب قديماً إن المرء يظل بليغاً حتى يتكلم، فقد تتأكد هذه البلاغة عند كلامه، وقد تتلاشى نهائياً. ولكن الصمت، بحدّ ذاته، لا يستحق التوقف طويلاً عنده. فما يستحق التوقف هو ما ينطق به المرء، سواء كان شفهياً أو كتابياً. أما تقييم الصمت أو التأسيس عليه، سواء طال أم قصر، فأمر لم يدر يوماً بفكر بشر، وبفكر الأدباء والنقاد على الخصوص.
ولكن بعض النقاد العرب المحدثين يريدون أن يحمّلوا الصمت أكثر مما يحتمل عندما ينسجون حول شاعر عراقي توفي قبل سنة تقريباً، هو محمود البريكان، أسطورة أدبية أو فنية قوامها صمته. كان محمود البريكان معاصراً لبدر شاكر السياب كما كان صديقاً له. وكان في بداية الخمسينيات من القرن الماضي شاعراً واعداً مثله وكان كلاهما من منطقة البصرة، وعندما نشر البريكان في بعض المجلات الأدبية العراقية في تلك المرحلة قصائد من نوع شعر التفعيلة الذي كتب به السيّاب، تنبأ له الكثيرون بمستقبل عظيم نظراً لجودة ما نشره. ولكنه سرعان ما انسحب الشاعر إلى الظل في الوقت الذي سعى فيه معاصروه من الشعراء الشبان، كالسياب والبياتي والحيدري ونازك، إلى الضوء فتمكنوا من البقاء في دائرته (أي في دائرة الضوء) وذلك عن طريق إصدار الدواوين والمساهمة في الحياة الأدبية العربية العامة حتى بات لكل من هؤلاء وجوده الشعري والأدبي اللامع المعروف. أما البريكان فلم يجمع حتى تلك الأشعار الجميلة الواعدة التي نُشرت له في بعض المجلات البغدادية، في ديوان أن دواوين. بل أنه لم يعد ينشر مع الوقت سوى القليل القليل من الشعر في هذه المجلات، إلى أن جاء وقت تحول فيه البريكان إلى مجرد طيف دار يوماً في بال الأدب ثم توارى إلى غير رجعة.
في السنوات العشر الأخيرة من حياته، حاول بعض محبيه جمع قصائده القديمة التي كان ينشرها في شبابه الشعري وإصدارها في ديوان، فتبين لهم - ولبريكان نفسه - أن الزمن قد تجاوزها. ذلك أن عليها بصمات مرحلة ماضية على مرحلة بداية شعر التفعيلة، فلن يكون لها عندما تُجمع في ديوان يصدر بعد خمسين سنة من نظمها تلك الأهمية المتوخاة. وعندما جرت مباحثة الشاعر حول ما كتبه من شعر بعد ذلك، تبين أنه قليل وأنه لن يضيف شيئاً إلى شعر البدايات عنده. فالبريكان تحوّل بعد موسم شعره الأول، إلى مجرد مدرِّس أو موظف في بعض إدارات الدولة في البصرة. أو لنقل أن هموم الشعر لم تعد بالنسبة إليه هي هموم حياته. ولو لم يكن الأمر كذلك لظهر اسمه في الدوريات الأدبية العراقية والعربية على مدى ثلث أو قرن خلالها مرّت مياه كثيرة في النهر، كما يقولون.
أذكر أنني كنت اتسكع ذات مساء في بعض شوارع البصرة مع الأديب الكبير الراحل جبرا ابراهيم جبرا عقب احدى جلسات مهرجان المربد في بداية الثمانينات من القرن الماضي. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلاً عندما اقترب منا شخص بيده بعض الخضار او الفاكهة، وسلم علي وعلى جبرا بحرارة. خُيّل إلى لأول وهلة (كما خُيّل لجبرا في الوقت نفسه) أن هذا الرجل قد يكون قارئاً مثقفاً وأنه سبق له أن قرأ لجبرا وشاهد صوره في الصحف، فلما شُبّه له أن هذا الذي صادفه في الشارع هو جبرا إبراهيم جبرا رغب بتحيته، وهذا مألوف في الحياة العامة. ولكن ما كدنا نتابع سيرنا بعد هذه التحية التي بادلنا صاحبها بمثلها، حتى التفت الرجل إلى جبرا وقال له: "ألم تعرفني؟ وفي الوقت الذي كان فيه جبرا يلكز ذاكرته حتى تنجده، فلا تنجده، عاد الرجل الغريب ليقول لجبرا: و"أين أنت يا رجل".. وقال لي جبرا بعد أن توارى البريكان في عتمة زقاق من أزقة البصرة، إن البريكان كان يمكن أن يكون له شأن لو أنه تابع مشواره الشعري، و"لكن مشواره الشعري هذا كان مع الأسف قصيراً"..
لقد كان من الممكن للبريكان لو استمر في نشر الشعر، أن يكون في عداد الأسماء الشعرية العراقية التي عايشها أو زاملها. لم يكن ينقصه شيء ليكون هذا الشاعر الكبير لو أنه نشر وتابع. ولكنه بسببٍ ما، غير معروف على وجه الضبط، انسحب انسحاباً تاماً من الحياة الأدبية والثقافية، ولم يُعرف له نتاج لاحق. كما أنه كان من الممكن أن يمضي في حال سبيله دون أن يزعجه أحد فيلوذ في النسيان شأنه شأن كثيرين مثله، ظهروا في لحظةٍ ما، ثم اختفوا أو تواروا لسبب أو لآخر، فلم ينسب أحد لاختبائهم أو لتواريهم مغازي أو مدلولات عميقة، أو أنهم لم يعطوا لهذا الاختفاء أو التواري تفسيراً فيه غلو وتعسف. فالبريكان لو كان لديه شيء هام غير قصائده الأولى الجميلة التي كتبها ونشرها في المجلات الأدبية العراقية في شبابه، لكان نشره كما فعل مع قصائده تلك. وطالما أنه لم ينشر سوى تلك القصائد، ولم يجمع تلك القصائد بعد ذلك في ديوان، فمعنى ذلك أنه لم يرشح نفسه لقدر شعري خارق، كالقدر الذي يتحدث عنه بعض النقاد اليوم. فهؤلاء النقاد يريدون إعادة البريكان إلى الضوء من جديد عن طريق نسج أسطورة يُعطى فيها صمتُهُ دويّاً هائلاً، وكأن الشاعر إذا صمت يبلغ رتبة عالية لا تحققها حتى قصائد شاعر مثل أبي الطيب المتنبي. في حين أن الصمت في حياة الأدباء والشعراء هو مجرد استعداد للقول. وأهميتهم لا تعود قطعاً إلى حالة الصمت هذه بل إلى حالة أخرى يُفترض أن تتلوها، هي حالة النطق أو الكلام. فهذا النطق هو الذي يُلتفت إليه ويعتّد به لتقييم صاحبه.
قد يكون الصمت الذي لاذ به البريكان من نوع الصمت الكريم أو النبيل الذي يمارسه الكثير من المبدعين. وقد يكون وراء صمته دوافع كثيرة جديرة بالاحترام. ولكن من غير الممكن توظيف هذا الصمت وجعله يدرّ على صاحبه خيراً وفيراً، أو تحويله إلى مادة ترشح صاحبه للخلود.
من تقاليد القضاء في البلدان المتقدمة أن القاضي لا يجوز له أن يتكلم خارج الأحكام التي يصدرها. يقال: القاضي يتكلم بحكمة أو عن طريق حكمه. وكذلك الأمر بنظرنا فيما يتعلق بالشاعر. فهو يتكلم بواسطة شعره لا بواسطة صمته ومن الطبيعي أن يُعوّل على هذا الشعر عند تقييمه، وليس على أي شيء آخر.
.................................................
*المصدر: جريدة "الرياض" ـ في 1/5/2003م.
محمود داود سليمان البريكان
ــ ولد في الزبير عام 1931
ــ تخرج في كلية الحقوق
ــ عمل مدرسا في العراق .. والكويت
ــله : ديوان محمود البريكان
ــ اغتاله لصوص عام 2002 وهو اعزل في بيته
صمت الشاعر محمود البريكان
بقلم: جهاد فاضل
.........................
من المبادئ العامة أنه لا يُنسب لساكتٍ قول. فالسكوت بحدّ ذاته ليس قرينة على العبقرية، كما أنه ليس قرينة على خمول في الذات أو الطبيعة. فقد يكون حالة سلبية، كما قد يكون حالة ايجابية إذا ما عقبه تفجر إبداعي ما. ولذلك قالت العرب قديماً إن المرء يظل بليغاً حتى يتكلم، فقد تتأكد هذه البلاغة عند كلامه، وقد تتلاشى نهائياً. ولكن الصمت، بحدّ ذاته، لا يستحق التوقف طويلاً عنده. فما يستحق التوقف هو ما ينطق به المرء، سواء كان شفهياً أو كتابياً. أما تقييم الصمت أو التأسيس عليه، سواء طال أم قصر، فأمر لم يدر يوماً بفكر بشر، وبفكر الأدباء والنقاد على الخصوص.
ولكن بعض النقاد العرب المحدثين يريدون أن يحمّلوا الصمت أكثر مما يحتمل عندما ينسجون حول شاعر عراقي توفي قبل سنة تقريباً، هو محمود البريكان، أسطورة أدبية أو فنية قوامها صمته. كان محمود البريكان معاصراً لبدر شاكر السياب كما كان صديقاً له. وكان في بداية الخمسينيات من القرن الماضي شاعراً واعداً مثله وكان كلاهما من منطقة البصرة، وعندما نشر البريكان في بعض المجلات الأدبية العراقية في تلك المرحلة قصائد من نوع شعر التفعيلة الذي كتب به السيّاب، تنبأ له الكثيرون بمستقبل عظيم نظراً لجودة ما نشره. ولكنه سرعان ما انسحب الشاعر إلى الظل في الوقت الذي سعى فيه معاصروه من الشعراء الشبان، كالسياب والبياتي والحيدري ونازك، إلى الضوء فتمكنوا من البقاء في دائرته (أي في دائرة الضوء) وذلك عن طريق إصدار الدواوين والمساهمة في الحياة الأدبية العربية العامة حتى بات لكل من هؤلاء وجوده الشعري والأدبي اللامع المعروف. أما البريكان فلم يجمع حتى تلك الأشعار الجميلة الواعدة التي نُشرت له في بعض المجلات البغدادية، في ديوان أن دواوين. بل أنه لم يعد ينشر مع الوقت سوى القليل القليل من الشعر في هذه المجلات، إلى أن جاء وقت تحول فيه البريكان إلى مجرد طيف دار يوماً في بال الأدب ثم توارى إلى غير رجعة.
في السنوات العشر الأخيرة من حياته، حاول بعض محبيه جمع قصائده القديمة التي كان ينشرها في شبابه الشعري وإصدارها في ديوان، فتبين لهم - ولبريكان نفسه - أن الزمن قد تجاوزها. ذلك أن عليها بصمات مرحلة ماضية على مرحلة بداية شعر التفعيلة، فلن يكون لها عندما تُجمع في ديوان يصدر بعد خمسين سنة من نظمها تلك الأهمية المتوخاة. وعندما جرت مباحثة الشاعر حول ما كتبه من شعر بعد ذلك، تبين أنه قليل وأنه لن يضيف شيئاً إلى شعر البدايات عنده. فالبريكان تحوّل بعد موسم شعره الأول، إلى مجرد مدرِّس أو موظف في بعض إدارات الدولة في البصرة. أو لنقل أن هموم الشعر لم تعد بالنسبة إليه هي هموم حياته. ولو لم يكن الأمر كذلك لظهر اسمه في الدوريات الأدبية العراقية والعربية على مدى ثلث أو قرن خلالها مرّت مياه كثيرة في النهر، كما يقولون.
أذكر أنني كنت اتسكع ذات مساء في بعض شوارع البصرة مع الأديب الكبير الراحل جبرا ابراهيم جبرا عقب احدى جلسات مهرجان المربد في بداية الثمانينات من القرن الماضي. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلاً عندما اقترب منا شخص بيده بعض الخضار او الفاكهة، وسلم علي وعلى جبرا بحرارة. خُيّل إلى لأول وهلة (كما خُيّل لجبرا في الوقت نفسه) أن هذا الرجل قد يكون قارئاً مثقفاً وأنه سبق له أن قرأ لجبرا وشاهد صوره في الصحف، فلما شُبّه له أن هذا الذي صادفه في الشارع هو جبرا إبراهيم جبرا رغب بتحيته، وهذا مألوف في الحياة العامة. ولكن ما كدنا نتابع سيرنا بعد هذه التحية التي بادلنا صاحبها بمثلها، حتى التفت الرجل إلى جبرا وقال له: "ألم تعرفني؟ وفي الوقت الذي كان فيه جبرا يلكز ذاكرته حتى تنجده، فلا تنجده، عاد الرجل الغريب ليقول لجبرا: و"أين أنت يا رجل".. وقال لي جبرا بعد أن توارى البريكان في عتمة زقاق من أزقة البصرة، إن البريكان كان يمكن أن يكون له شأن لو أنه تابع مشواره الشعري، و"لكن مشواره الشعري هذا كان مع الأسف قصيراً"..
لقد كان من الممكن للبريكان لو استمر في نشر الشعر، أن يكون في عداد الأسماء الشعرية العراقية التي عايشها أو زاملها. لم يكن ينقصه شيء ليكون هذا الشاعر الكبير لو أنه نشر وتابع. ولكنه بسببٍ ما، غير معروف على وجه الضبط، انسحب انسحاباً تاماً من الحياة الأدبية والثقافية، ولم يُعرف له نتاج لاحق. كما أنه كان من الممكن أن يمضي في حال سبيله دون أن يزعجه أحد فيلوذ في النسيان شأنه شأن كثيرين مثله، ظهروا في لحظةٍ ما، ثم اختفوا أو تواروا لسبب أو لآخر، فلم ينسب أحد لاختبائهم أو لتواريهم مغازي أو مدلولات عميقة، أو أنهم لم يعطوا لهذا الاختفاء أو التواري تفسيراً فيه غلو وتعسف. فالبريكان لو كان لديه شيء هام غير قصائده الأولى الجميلة التي كتبها ونشرها في المجلات الأدبية العراقية في شبابه، لكان نشره كما فعل مع قصائده تلك. وطالما أنه لم ينشر سوى تلك القصائد، ولم يجمع تلك القصائد بعد ذلك في ديوان، فمعنى ذلك أنه لم يرشح نفسه لقدر شعري خارق، كالقدر الذي يتحدث عنه بعض النقاد اليوم. فهؤلاء النقاد يريدون إعادة البريكان إلى الضوء من جديد عن طريق نسج أسطورة يُعطى فيها صمتُهُ دويّاً هائلاً، وكأن الشاعر إذا صمت يبلغ رتبة عالية لا تحققها حتى قصائد شاعر مثل أبي الطيب المتنبي. في حين أن الصمت في حياة الأدباء والشعراء هو مجرد استعداد للقول. وأهميتهم لا تعود قطعاً إلى حالة الصمت هذه بل إلى حالة أخرى يُفترض أن تتلوها، هي حالة النطق أو الكلام. فهذا النطق هو الذي يُلتفت إليه ويعتّد به لتقييم صاحبه.
قد يكون الصمت الذي لاذ به البريكان من نوع الصمت الكريم أو النبيل الذي يمارسه الكثير من المبدعين. وقد يكون وراء صمته دوافع كثيرة جديرة بالاحترام. ولكن من غير الممكن توظيف هذا الصمت وجعله يدرّ على صاحبه خيراً وفيراً، أو تحويله إلى مادة ترشح صاحبه للخلود.
من تقاليد القضاء في البلدان المتقدمة أن القاضي لا يجوز له أن يتكلم خارج الأحكام التي يصدرها. يقال: القاضي يتكلم بحكمة أو عن طريق حكمه. وكذلك الأمر بنظرنا فيما يتعلق بالشاعر. فهو يتكلم بواسطة شعره لا بواسطة صمته ومن الطبيعي أن يُعوّل على هذا الشعر عند تقييمه، وليس على أي شيء آخر.
.................................................
*المصدر: جريدة "الرياض" ـ في 1/5/2003م.