admin
07-04-2008, 04:24 AM
موضوع نقله الغائب لبحث الدكتور علي الباحسين
مدرسة البنات في الزبير 1923م
د:علي عبدالرحمن أبا حسين
البحرين : إن الباحث في تاريخ الأمة العربية الإسلامية يجد حضارة ازدهرت حينا من الدهر بفضل ما نادى به الإسلام وحث عليه وهوطلب العلم فهو فريضة على كل مسلم (ومسلمة), وكانت التربية تعتمد على غرس روح الفضيلة والتعاون والمحبة والسمو على الماديات, فالقوي في إيمانه حريص على حسن أخلاقه يبحث العلم عن لذة ذاتية، وساهمت المرأة المسلمة في طلب العلم وتعليمه, ومما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء وانها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها التي علمت من العلم الديني كالحديث وعلمت به، وكان بعض الصحابة يسألونها عن الفرائض كما يسألون بقية أمهات المؤمنين رضوان الله عنهن أجمعين فكتب الحديث والفقه تحدثنا كثيراً عن ذلك.
أما مصادر التاريخ الإسلامي فنجد بين السطور من سير البطولات عند المرأة المسلمة ما يدل على انها اخذت بسهم وافر من العلم, فمنهن من اشتهرن في الأدب والشعر والزهد وغيره، ها هو ابن الجوزي يترجم لثلاثين شاعرة في دولة بني العباس, وذاك البلاذري يعد الكاتبات ومنهن عائشة بنت سعد التي قالت: علمني أبي الكتابة , ويطول بنا المقام ونحن نسمي القارئات الكواتب من نساء الإسلام منذ فجره, وحديث تعليم المرأة في صدر الإسلام تؤكده المكتبة العربية, فإن كتاتيب او مكاتب تعليم البنات انتشرت جنبا إلى جنب مع انتشار الإسلام, فقد تعلمت القرآن الكريم وسائر علوم الدين.
ونجد الفقهاء يؤمنون بتعليم الفتاة القراءة وخاصة سورة النور لما فيها من وعظ وتأديب وتربية تعود عليها بالنفع الكثير, وزاد تعلمهن القرآن المجيد وتدارسهن علوم الدين ان ساهمن في القيام بأعمال انسانية كاسعاف الجرحى في ساحات الجهاد ونقل الماء للمجاهدين، وان ميمونة بنت الحارث الهلالية اصابها سهم من سهام المشركين وهي تنقل الماء كاد أن يقتلها لولا عناية الله ولطفه,
وترجم الخطيب البغدادي لاثنتين وثلاثين امرأة من أهل بغداد ممن عرفن بالعلم والحديث.
وهكذا قامت الحضارة العربية الإسلامية على اساس علمي فلم يدع المسلمون عامة باباً للعلم إلا طرقوه فبنوا مجداً تليداً وساهموا في بناء صرح الثقافة البشرية العتيد.
ولقد كانت البدايات الأولى لتعليم البنات في كل مكان من بلدان الخليج والجزيرة العربية تعود إلى عهد (الكتاتيب)، حيث يدرس فيها القرآن الكريم ومبادئ الكتابة والقراءة، جنبا إلى جنب مع الكتاتيب للأولاد, ثم يواصل الابناء دراساتهم في المساجد ثم المدارس والمعاهد النظامية , أما كتاتيب البنات فيدرس فيهن الملات أو المطوعة وهن في الغالب من الاهالي ممن يتخذن من بيوتهن مكانا لتعليم البنات وكن رائدات التعليم في بلادهن, هذا بالإضافة إلى وجود تلك الكاتيب فإن النساء كن يحضرن دروس الوعظ والإرشاد في بيوت المطوعات او الملات عصراً.
هذا ما حدث في بلدة (الزبير) والتي تقع على بعد يسير من المسجد الجامع في البصرة القديمة، والذي بناه الصحابي عتبة بن غزوان عام 16ه / 637م وما زالت آثاره أو آثار تجديده عبر التاريخ ظاهرة للعيان كبقايا منارته وبعض جدرانه, وقد مرت بها ظروف طبعية وسياسية أدت إلى اندثار آثارها, ودفن فيها من الصحابة (الزبير بن العوام) رضي الله عنه عام 36 ه / 656م والذي قال عنه الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه حين جيء له بسيف الزبير فقال: (سيف والله طالما جلا به عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرب) (1)
أما الصحابي (عتبة بن غزوان) فتوفي عام 17 ه / 638م وقبره بجوار ضريح الزبير بن العوام في وسط مدينة الزبير على بعد فرسخ من المسجد الجامع القديم (2) والصحابي (طلحة بن عبيد الله) الذي صد بيده سهما عن رسول الله، وفي كتب البلدانيين ذكروا أنه كان بجانبه زاوية فيها طعام للوارد والصادر, أما الزبير فعليه مسجد وزاوية وفيها الطعام لابناء السبيل.
والصحابي (أنس بن مالك) ولا سبيل لزيارته إلا في جمع كثيف لكثرة السباع وعدم العمران (3) .
ثم الحسن البصري (ومالك بن دينار) و (رابعة العدوية) وعلى كل قبر اسم صاحبه وتاريخ وفاته, واشتهرت قصبة الزبير على أنقاض البصره القديمة عبر التاريخ بجملة من أهل الفقه والعلم والصلاة مما يطول شرحه, وفي العصر الحديث اهتم أهل الزبير بالتعليم للبنين والبنات على السواء.
فقد بدأ فيها تعليم البنات في بيوت (الملات) أو (المطوعات) قبيل تأسيس مدارس البنات النظامية, كمااستمرت تلك البيوت في تعليم البنات ردحاً من الزمن جنبا إلىجنب مع المدارس النظامية, وقد واجهت فكرة مشروع التعليم النظامي مجابهة من يغالون في التمسك بالعادات والتقاليد احيانا، فيعرقلون المسيرة العلمية اذ ان المجتمع قد جبل على نمط الكتاتيب في تعليم البنات, حتى إذا ما نادى البعض من المثقفين وهم في الغالب قلة وقتئذ بتعلمهن العلم الدنيوي مع الحفاظ على التعليم الديني، اصطدم بهم أولئك المتمسكون بالتقاليد التي ورثوها منذ أجيال طويلة حتى أصبح من طبائعهم وعاداتهم, ولكن ما لبثت المناداة بتعليم المرأة ان نمت وترعرعت لانها تواكب روح العصر مع الحفاظ على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وهو دين العلم والتقدم، والذي أمر بالتعليم والتعلم، فجعله فريضة على كل مسلم و (مسلمة),اذ ورد في القرآن الكريم أكثر من ثمانمائة كلمة دالة على العلم , وأول كلمة من القرآن الكريم نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي كلمة (اقرأ), كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء أسرى بدر أن يعلم الأسير عشرة من صبيان أهل المدينة.
ويحدثنا التاريخ العربي الإسلامي عن حلقات العلم التي يعقدها العالمات المسلمات امثال (سكينة بنت الحسين) رضي الله عنها التي كان لهاحلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة وترى الناس ولا يرونها وتسمع كلامهم فتفاضل بينهم وتناقشهم وتجيزهم, توفيت عام 117ه / 735م.
و(فاطمة بنت سعد الخير) الانصارية فقيهة روت الحديث وكانت تحضر مع أبيها دروساً عند أبي جعفرالسمناني وذلك في عام 526 529 هجرية , وتوفيت عام 600 ه / 1203م.
وورد في مخطوط محفوظ في مكتبة الشيخ يوسف آل مبارك رحمه الله في الأحساء أن (فاطمة بنت أحمد بن السلطان صلاح الدين الايوبي) المولودة عام 597ه / 1200م والمتوفاة 678ه / 1280م وهي حفيدة (صلاح الدين الايوبي) والمخطوط بعنوان (سنن أبي داود المتوفى 275ه ) وفي هوامشه سماع أحمد بن صلاح الدين الأيوبي وابنته فاطمة واجازات وتوقيعات كثيرة.
وكانت فاطمة تجيز كثيراً من طلاب العلم والعلماء على سنن أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني (4) .
والشيخة (فاطمة الفضيلية) الزبيرية وهي ابنة أحمد الفضيلي بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة واسكان الياء التحتية وبعدها لام مكسورة فياء تحتية مشددة كذا ضبطه علامة الوقت مفتي الحنابلة الشيخ محمد بن حميد اذ ترجم لها في طبقاته بقوله: الشيخة فاطمة الصالحة العالمة العابدة الزاهدة, ولدت في بلدة سيدنا الزبير قبيل المائتين والألف ونشأت بها وقرأت على شيوخها.
وأكثرت عن (الشيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد) الزبيري المولد فأخذت عنه (التفسير والحديث والاصلين) ثم أخذت عنه أيضا (فقه الحنابلة), (والشيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد) النجدي الأصل من بلد المجمعة قرأ على مشايخ الزبير ثم على علماء الشام وعلى (الشيخ محمد بن فيروز) عالم الاحساء الذي اجازه عام 1195ه, وعاد إلى الزبير فصار مرجع أهلها في (الفتاوى) وتولى (القضاء) في الزبير عام 1211ه وبدون مرتب, وهو أول قاض يتولى القضاء في الزبير, ثم إماماً وخطيباً لجامع الزبير بن العوام ومدرسا في (معهد الدويحس) للعلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية والتي خرجت كبار العلماء والفقهاء, وكان الشيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد أول مدرس في هذا المعهد العلمي, وأخذ عنه الشيخ الفقيه (محمد بن حمد الهديبي) الزبيري, ومن تلامذته القضاة والفقهاء لا في بلد الزبير فحسب بل وفي بلدان أخرى, وتوفي الشيخ بن جديد في شهر شعبان عام 1232ه / 1816م ودفن في مقبرة الحسن البصري في بلد الزبير رحمه الله (5) .
هذا العالم هو شيخ فاطمة الفضيلية التي أخذت عنه وعن غيره من العلماء اذ توجهت إلى العلم توجها تاما كما تعلمت (الخط) فأتقنته, وكتبت كتبا كثيرة بيدها في علوم شتى, فصار لها همة في جمع الكتب فجمعت منها في سائر الفنون ما ملأ الخزانات, ولها توجه للحديث وأهله فسمعت كثيراً وقرأت من كتب الحديث فأجازها جمع من العلماء واشتهرت في عصرها فكاتبها الأفاضل من الآفاق.
وزارت مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وعادت إلى مكة فأقامت بها في (باب زيادة) في بيت ملاصق للحرم الملكي الشريف يرى منه الكعبة, وعزمت على الإقامة فيه حتى الممات, فتردد إليها علماء مكة سمعوا منها واسمعوها واجازتهم واجازوها, خصوصا الشيخ عمر بن عبدالله والشيخ محمد صالح الريس المكي الزمزمي مفتي الشافعية, فانهما كانا كثيرا التردد إليها والسماع منها (من وراء الستار), ويريان انهما يستفيدان منها وترى كذلك, وصار لها شهرة عظيمة وصيت بالغ, هذا القول لشاهد عيان من أهل مكة قد عاصرها وهو الشيخ عبدالستار الدهلوي الصديقي صاحب التآليف الكثيرة, الذي يقول عنها: لم نسمع في هذا العصر بمثلها ولا من يدانيها في علمها وصلاحها وزهدها وورعها وجمعها للفضائل.
توفيت في عام 1247ه / 1831م ودفنت بالمعلاة بمكة المكرمة في شعبة النور بوصية منها (6) .
وكتب الشيخ عبدالله بن إبراهيم القملاس: ان الشيخة فاطمة الفضيلية عاصرت والده الشيخ إبراهيم القملاس الحنبلي قاضي الزبير وأخذت عنه, وأوقفت كتبها جميعا على طلبة العلم من الحنابلة وجعلت الناظر عليها ابن بلدها وهو الشيخ محمد حمد الهديبي فكانت كتب المكتبة عنده إلى أن أراد السفر إلى المدينة المنورة فتورع في اخراجها من مكة المكرمة فجعلها عند خادمتها (بنت النجار) وأولادها.
للموضوع بقية
مدرسة البنات في الزبير 1923م
د:علي عبدالرحمن أبا حسين
البحرين : إن الباحث في تاريخ الأمة العربية الإسلامية يجد حضارة ازدهرت حينا من الدهر بفضل ما نادى به الإسلام وحث عليه وهوطلب العلم فهو فريضة على كل مسلم (ومسلمة), وكانت التربية تعتمد على غرس روح الفضيلة والتعاون والمحبة والسمو على الماديات, فالقوي في إيمانه حريص على حسن أخلاقه يبحث العلم عن لذة ذاتية، وساهمت المرأة المسلمة في طلب العلم وتعليمه, ومما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: خذوا نصف دينكم من هذه الحميراء وانها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها التي علمت من العلم الديني كالحديث وعلمت به، وكان بعض الصحابة يسألونها عن الفرائض كما يسألون بقية أمهات المؤمنين رضوان الله عنهن أجمعين فكتب الحديث والفقه تحدثنا كثيراً عن ذلك.
أما مصادر التاريخ الإسلامي فنجد بين السطور من سير البطولات عند المرأة المسلمة ما يدل على انها اخذت بسهم وافر من العلم, فمنهن من اشتهرن في الأدب والشعر والزهد وغيره، ها هو ابن الجوزي يترجم لثلاثين شاعرة في دولة بني العباس, وذاك البلاذري يعد الكاتبات ومنهن عائشة بنت سعد التي قالت: علمني أبي الكتابة , ويطول بنا المقام ونحن نسمي القارئات الكواتب من نساء الإسلام منذ فجره, وحديث تعليم المرأة في صدر الإسلام تؤكده المكتبة العربية, فإن كتاتيب او مكاتب تعليم البنات انتشرت جنبا إلى جنب مع انتشار الإسلام, فقد تعلمت القرآن الكريم وسائر علوم الدين.
ونجد الفقهاء يؤمنون بتعليم الفتاة القراءة وخاصة سورة النور لما فيها من وعظ وتأديب وتربية تعود عليها بالنفع الكثير, وزاد تعلمهن القرآن المجيد وتدارسهن علوم الدين ان ساهمن في القيام بأعمال انسانية كاسعاف الجرحى في ساحات الجهاد ونقل الماء للمجاهدين، وان ميمونة بنت الحارث الهلالية اصابها سهم من سهام المشركين وهي تنقل الماء كاد أن يقتلها لولا عناية الله ولطفه,
وترجم الخطيب البغدادي لاثنتين وثلاثين امرأة من أهل بغداد ممن عرفن بالعلم والحديث.
وهكذا قامت الحضارة العربية الإسلامية على اساس علمي فلم يدع المسلمون عامة باباً للعلم إلا طرقوه فبنوا مجداً تليداً وساهموا في بناء صرح الثقافة البشرية العتيد.
ولقد كانت البدايات الأولى لتعليم البنات في كل مكان من بلدان الخليج والجزيرة العربية تعود إلى عهد (الكتاتيب)، حيث يدرس فيها القرآن الكريم ومبادئ الكتابة والقراءة، جنبا إلى جنب مع الكتاتيب للأولاد, ثم يواصل الابناء دراساتهم في المساجد ثم المدارس والمعاهد النظامية , أما كتاتيب البنات فيدرس فيهن الملات أو المطوعة وهن في الغالب من الاهالي ممن يتخذن من بيوتهن مكانا لتعليم البنات وكن رائدات التعليم في بلادهن, هذا بالإضافة إلى وجود تلك الكاتيب فإن النساء كن يحضرن دروس الوعظ والإرشاد في بيوت المطوعات او الملات عصراً.
هذا ما حدث في بلدة (الزبير) والتي تقع على بعد يسير من المسجد الجامع في البصرة القديمة، والذي بناه الصحابي عتبة بن غزوان عام 16ه / 637م وما زالت آثاره أو آثار تجديده عبر التاريخ ظاهرة للعيان كبقايا منارته وبعض جدرانه, وقد مرت بها ظروف طبعية وسياسية أدت إلى اندثار آثارها, ودفن فيها من الصحابة (الزبير بن العوام) رضي الله عنه عام 36 ه / 656م والذي قال عنه الإمام علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه حين جيء له بسيف الزبير فقال: (سيف والله طالما جلا به عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الكرب) (1)
أما الصحابي (عتبة بن غزوان) فتوفي عام 17 ه / 638م وقبره بجوار ضريح الزبير بن العوام في وسط مدينة الزبير على بعد فرسخ من المسجد الجامع القديم (2) والصحابي (طلحة بن عبيد الله) الذي صد بيده سهما عن رسول الله، وفي كتب البلدانيين ذكروا أنه كان بجانبه زاوية فيها طعام للوارد والصادر, أما الزبير فعليه مسجد وزاوية وفيها الطعام لابناء السبيل.
والصحابي (أنس بن مالك) ولا سبيل لزيارته إلا في جمع كثيف لكثرة السباع وعدم العمران (3) .
ثم الحسن البصري (ومالك بن دينار) و (رابعة العدوية) وعلى كل قبر اسم صاحبه وتاريخ وفاته, واشتهرت قصبة الزبير على أنقاض البصره القديمة عبر التاريخ بجملة من أهل الفقه والعلم والصلاة مما يطول شرحه, وفي العصر الحديث اهتم أهل الزبير بالتعليم للبنين والبنات على السواء.
فقد بدأ فيها تعليم البنات في بيوت (الملات) أو (المطوعات) قبيل تأسيس مدارس البنات النظامية, كمااستمرت تلك البيوت في تعليم البنات ردحاً من الزمن جنبا إلىجنب مع المدارس النظامية, وقد واجهت فكرة مشروع التعليم النظامي مجابهة من يغالون في التمسك بالعادات والتقاليد احيانا، فيعرقلون المسيرة العلمية اذ ان المجتمع قد جبل على نمط الكتاتيب في تعليم البنات, حتى إذا ما نادى البعض من المثقفين وهم في الغالب قلة وقتئذ بتعلمهن العلم الدنيوي مع الحفاظ على التعليم الديني، اصطدم بهم أولئك المتمسكون بالتقاليد التي ورثوها منذ أجيال طويلة حتى أصبح من طبائعهم وعاداتهم, ولكن ما لبثت المناداة بتعليم المرأة ان نمت وترعرعت لانها تواكب روح العصر مع الحفاظ على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وهو دين العلم والتقدم، والذي أمر بالتعليم والتعلم، فجعله فريضة على كل مسلم و (مسلمة),اذ ورد في القرآن الكريم أكثر من ثمانمائة كلمة دالة على العلم , وأول كلمة من القرآن الكريم نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هي كلمة (اقرأ), كما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء أسرى بدر أن يعلم الأسير عشرة من صبيان أهل المدينة.
ويحدثنا التاريخ العربي الإسلامي عن حلقات العلم التي يعقدها العالمات المسلمات امثال (سكينة بنت الحسين) رضي الله عنها التي كان لهاحلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة وترى الناس ولا يرونها وتسمع كلامهم فتفاضل بينهم وتناقشهم وتجيزهم, توفيت عام 117ه / 735م.
و(فاطمة بنت سعد الخير) الانصارية فقيهة روت الحديث وكانت تحضر مع أبيها دروساً عند أبي جعفرالسمناني وذلك في عام 526 529 هجرية , وتوفيت عام 600 ه / 1203م.
وورد في مخطوط محفوظ في مكتبة الشيخ يوسف آل مبارك رحمه الله في الأحساء أن (فاطمة بنت أحمد بن السلطان صلاح الدين الايوبي) المولودة عام 597ه / 1200م والمتوفاة 678ه / 1280م وهي حفيدة (صلاح الدين الايوبي) والمخطوط بعنوان (سنن أبي داود المتوفى 275ه ) وفي هوامشه سماع أحمد بن صلاح الدين الأيوبي وابنته فاطمة واجازات وتوقيعات كثيرة.
وكانت فاطمة تجيز كثيراً من طلاب العلم والعلماء على سنن أبي داود سليمان بن الاشعث السجستاني (4) .
والشيخة (فاطمة الفضيلية) الزبيرية وهي ابنة أحمد الفضيلي بضم الفاء وفتح الضاد المعجمة واسكان الياء التحتية وبعدها لام مكسورة فياء تحتية مشددة كذا ضبطه علامة الوقت مفتي الحنابلة الشيخ محمد بن حميد اذ ترجم لها في طبقاته بقوله: الشيخة فاطمة الصالحة العالمة العابدة الزاهدة, ولدت في بلدة سيدنا الزبير قبيل المائتين والألف ونشأت بها وقرأت على شيوخها.
وأكثرت عن (الشيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد) الزبيري المولد فأخذت عنه (التفسير والحديث والاصلين) ثم أخذت عنه أيضا (فقه الحنابلة), (والشيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد) النجدي الأصل من بلد المجمعة قرأ على مشايخ الزبير ثم على علماء الشام وعلى (الشيخ محمد بن فيروز) عالم الاحساء الذي اجازه عام 1195ه, وعاد إلى الزبير فصار مرجع أهلها في (الفتاوى) وتولى (القضاء) في الزبير عام 1211ه وبدون مرتب, وهو أول قاض يتولى القضاء في الزبير, ثم إماماً وخطيباً لجامع الزبير بن العوام ومدرسا في (معهد الدويحس) للعلوم الشرعية وعلوم اللغة العربية والتي خرجت كبار العلماء والفقهاء, وكان الشيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد أول مدرس في هذا المعهد العلمي, وأخذ عنه الشيخ الفقيه (محمد بن حمد الهديبي) الزبيري, ومن تلامذته القضاة والفقهاء لا في بلد الزبير فحسب بل وفي بلدان أخرى, وتوفي الشيخ بن جديد في شهر شعبان عام 1232ه / 1816م ودفن في مقبرة الحسن البصري في بلد الزبير رحمه الله (5) .
هذا العالم هو شيخ فاطمة الفضيلية التي أخذت عنه وعن غيره من العلماء اذ توجهت إلى العلم توجها تاما كما تعلمت (الخط) فأتقنته, وكتبت كتبا كثيرة بيدها في علوم شتى, فصار لها همة في جمع الكتب فجمعت منها في سائر الفنون ما ملأ الخزانات, ولها توجه للحديث وأهله فسمعت كثيراً وقرأت من كتب الحديث فأجازها جمع من العلماء واشتهرت في عصرها فكاتبها الأفاضل من الآفاق.
وزارت مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام وعادت إلى مكة فأقامت بها في (باب زيادة) في بيت ملاصق للحرم الملكي الشريف يرى منه الكعبة, وعزمت على الإقامة فيه حتى الممات, فتردد إليها علماء مكة سمعوا منها واسمعوها واجازتهم واجازوها, خصوصا الشيخ عمر بن عبدالله والشيخ محمد صالح الريس المكي الزمزمي مفتي الشافعية, فانهما كانا كثيرا التردد إليها والسماع منها (من وراء الستار), ويريان انهما يستفيدان منها وترى كذلك, وصار لها شهرة عظيمة وصيت بالغ, هذا القول لشاهد عيان من أهل مكة قد عاصرها وهو الشيخ عبدالستار الدهلوي الصديقي صاحب التآليف الكثيرة, الذي يقول عنها: لم نسمع في هذا العصر بمثلها ولا من يدانيها في علمها وصلاحها وزهدها وورعها وجمعها للفضائل.
توفيت في عام 1247ه / 1831م ودفنت بالمعلاة بمكة المكرمة في شعبة النور بوصية منها (6) .
وكتب الشيخ عبدالله بن إبراهيم القملاس: ان الشيخة فاطمة الفضيلية عاصرت والده الشيخ إبراهيم القملاس الحنبلي قاضي الزبير وأخذت عنه, وأوقفت كتبها جميعا على طلبة العلم من الحنابلة وجعلت الناظر عليها ابن بلدها وهو الشيخ محمد حمد الهديبي فكانت كتب المكتبة عنده إلى أن أراد السفر إلى المدينة المنورة فتورع في اخراجها من مكة المكرمة فجعلها عند خادمتها (بنت النجار) وأولادها.
للموضوع بقية